الرئيسية / مقالات / الشأن الإيراني / قبل أن يعود إيوان كسرى

قبل أن يعود إيوان كسرى

أرى خلل الرماد وقود جمر      وأخشى أن يكون لها ضرامُ

فإن النار بالعودين تذكى         وإن الحرب مبدؤها كلامُ

استعرت هذين البيتين من مقدمة للشيخ عبد الله الغريب (الشيخ محمد سرور زين العابدين) في كتابه الماتع “وجاء دور المجوس”، لأرثي-كما رثى هو- أمتي في غفلتها وتغافلها عن الخطر الإيراني المجوسي الصفوي.

فأعود لأحذرها مجددا قبل فوات الأوان:

يا أمتي هلا صحوت على الصواعق والرعود

 عجبا كأنك لعبة في قبضة الخصم اللدود

ومن مستنقع الغفلة التي رقدنا فيها عن خطر المشروع الإيراني المجوسي، نعق البعض منددا بالربط بين إيران التي تسمي نفسها بالجمهورية الإسلامية وبين الفرس المجوس، وينكر هذه النسبة دون أن يكلف نفسه بالبحث عن البعد القومي لإيران ومشروعها.

قَدرُ أمتي أن تلقى الكيد من أبنائها ينالون منها، بينما ينبري هؤلاء للدفاع عن أعدائها.

ولكن قبل أن تكال لي الاتهامات كالعادة، وقبل أن تطير أعناق الحقائق في كلماتي بمقصلة التأويل والتحريف التي ينصبها المغرضون، أؤكد على أنني لا أتحدث عن الفرس الذين دخلوا في الإسلام وانصهروا مع إخوانهم في بوتقته، ولا على الأطياف التي تسكن الأراضي الإيرانية من بلوش وأحواز وغيرهما، ولا على أي إيراني بسيط ينتسب للإسلام، لا علاقة له بالقوميات مع ما تلبس به من عقائد ضالة، إنما أعني في هذا السياق أولئك الإيرانيين الذين لديهم مشروع قومي لإعادة مجد الدولة الفارسية، مرتكزين في مشروعهم هذا على الطائفية المتمثلة في المنهج الإمامي الإثنى عشري، لبسط سيطرتهم وهيمنتهم على العالم الإسلامي، والوصول إلى ذلك على رفات السنة وأهلها.

أحفاد زرادشت:

كانت ولا تزال إيران تستحضر جذورها الفارسية، والتي هي أحد الملامح الأساسية للذهنية الإيرانية، بل إن هذه الدولة كانت إلى عهد قريب تحمل اسم “فارس” حتى غيرها الشاه إلى “إيران” عام 1935م.

ويوم اعترضت إيران عام1822م، على الاتفاقيات التي أبرمتها بريطانيا مع الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة حاكم البحرين، بدعوى أن البحرين تابعة لإيران، وطالبت إيران بحقوقها المزعومة في البحرين، نفى وزير الخارجية البريطاني أحقية إيران على أي موضع بالخليج.

أتدرون بم رد عليه رئيس وزراء إيران؟

ردّ على الخارجية البريطانية بمذكرة قال فيها: “إن الشعور السائد لدى جميع الحكومات الفارسية المتعاقبة، أن الخليج الفارسي من بداية شط العرب إلى مسقط، بجميع جزائره وموانئه بدون استثناء، ينتهي إلى فارس، بدليل أنه خليج فارسي وليس عربيا”.

هل تعلم يا من تناضل لتبرئة إيران عن تلك النسبة الفارسية، أنه في عام 1930 قلص شاه إيران رضا بهلوي التعليم الديني في المدارس الحكومية، وفرض اللغة الفارسية بدلا من اللغة العربية؟ لماذا؟ لأنه يريد إيران فارسية.

وعلى نهجه سار نجله الشاه محمد رضا بلهوي، فعمل على إحياء أمجاد فارس، بل كان يرى أن مبادئ المجوسية تكفي لإسعاد البشرية، وليست أقل من المبادئ التي أتى بها الإسلام.

واستمع إلى شهادة الدكتور موسى الموسوي إذ يقول: “من يزور الشاه في مكتبه الخاص لابد وأن يرى تلك اللوحة الذهبية التي كتبت عليها العبارات الثلاث: الفكر الحسن والعمل الحسن والقول الحسن، وقد وُضعت على جانب مكتبه ليسعد بقراءتها في كل صباح”.

أتدري ماذا تعني هذه الكلمات الثلاث؟ إنها مبادئ زرادشت المعروفة يا من تزود عن أحفاد عباد النار.

الثورة الخمينية والحلم الفارسي:

لئن كان الإيرانيون قبل ثورة الخميني ينشدون عودة المجد الفارسي ويفتخرون بجذورهم، إلا أن الثورة جمعت الإيرانيين على مشروع قومي كبير يختلف عن القومية العربية البائدة في أنه يرتكز على الدين، حيث جعل من المنهج الإمامي الاثنى عشري فكرة مركزية جامعة يستطيع أن يستفيد بمقتضاها من كل الروافض في شتى بقاع الأرض من العرب والعجم، لخدمة مشروعه الفارسي.

وهناك العديد من دلائل الصبغة الفارسية في المشروع الإيراني الذي أفرزته ثورة الخميني:

فبم تفسر إصرار الخميني وجميع عمائم قم وقادة الثورة وحتى اليوم على تسمية الخليج العربي بالفارسي، حتى أن الحركات الإسلامية دعت الخميني إلى العدول عن ذلك رغبة في إزالة الاحتقان مع الدول العربية السنية، إلا أنه رفض بحزم أن يطلق عليه غير ما ارتضاه “الخليج الفارسي”.

وانظر إلى هذه النعرة القومية الفارسية في خطاب قادة الثورة الخمينية، فها هو هاشمي رافنسجاني يصف العرب الإيرانيين بقوله: “غجر متخلفون”.

ووصفهم مرشد الثورة على خامنئي بقوله: “متخلفون وجاهليون”

وتراهم يتداولون ما تناثر في كتب التراث الرافضي مما يبرهن على نزعتهم الفارسية وبغضهم للعرب، مثل قول الطوسي في كتابه “الغيبة”: “اتق العرب فإن لهم خبر سوء، لم يخرج مع القائم منهم واحد”.

وقال المجلسي في كتابه “بحار الأنوار”: “ليس بيننا وبين العرب إلا الذبح”.

اقرأوا المادة (15) من الدستور الحالي، تنص على أن “اللغة والكتابة الرسمية المشتركة لشعب إيران هي الفارسية، فيجب أن تكون الوثائق والمراسلات والنصوص الرسمية والكتب الدراسية والكتابة بهذه اللغة”.

وأصدر الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد قرارا في 2006م، يقضي بتفريس (أي: جعْلها فارسية) كل جوانب الحياة الإيرانية: العلمية والثقافية والأدبية ….

وأما الأحواز فيحظر عليهم التسمية بأسماء عربية أو التحدث باللغة العربية حتى الشيعة منهم.

وامتدت هذه النزعة القومية الفارسية إلى بلاد العرب أيضا، فقد أورد الدكتور محمد بسام يوسف في كتابه “المشروع الإيراني الصفوي الفارسي” رصدا لجريدة الشرق الأوسط عن الشباب في الجنوب العراقي ، حيث يتعلمون اللغة الفارسية بديلا عن اللغة الإنجليزية، وينخرطون في الثقافة الفارسية إلى درجة أنهم اعتادوا الاستماع إلى الأغاني الفارسية.

كما انتشرت اللغة الفارسية في الجنوب العراقي حيث تمركز الرافضة، وانتشرت في إدارات الدولة في تلك المناطق بما في ذلك الأوراق الرسمية للمسافرين.

وذكرت صحيفة الشرق الأوسط في أحد أعدادها في مايو 2007 عن بعض الأهالي من بلدة المدائن العراقية قولهم، إن الهجمات التي استهدفتهم من قبل الميليشيات الطائفية المسلحة العميلة لإيران، كان هدفها إخلاء المنطقة من سكانها أهل السنة، ليتاح للإيرانيين الاستيلاء على المدائن وإعادة ترميم إيوان كسرى باعتباره صرحا فارسيا يذكرهم بأمجادهم التاريخية”.

وفي تأثر واضح بالجذور الفارسية والربط بين الرموز الفارسية قديما وحديثا، وصف المفكر الإيراني داريوش شايغان الخميني بقوله: “الحقيقة أنه يشبه في صورة مدهشة الصورة الغابرة لإيران القديمة. وكان يجسد كل الدراما العتيقة، الدينية المأساوية.. لم يكن الخميني بطريقة ما يكف عن أن يكرر مع أصحاب الإمام الغائب – كما كان يفعل زرادشت مع ملائكة السماء السبع – هذه العبارة التي تهز كل إيراني من أعماقه: هل نكون من الذين سيغيرون صورة العالم؟”

وينبغي أن يُعلم أن ترنم إيران بجذورها الفارسية ليس باعتبارها جذورا حضارية انتهت بالذوبان في الإسلام على غرار نظرة كثير من العرب لحضاراتهم السابقة كالفرعونية والبابلية، وإنما ترى إيران في نفسها امتدادا لحضارة الفرس بأبعادها ومكوناتها، إلا أنها جعلت مركزها دين الرافضة بدلا من عبادة النار.

فلا تلامونا إن وصفنا المشروع الإيراني بالفارسي المجوسي.

لكن ما هي جذور الحقد الإيراني ضد العرب؟

وما هو تأثير التراث الفارسي على النفسية الإيرانية؟

وما هو دور الثقافة الفارسية في الترويج للمشروع الإيراني؟

أسئلة تحتاج إلى إجابات تفصيلية، حتما سيكون لنا معها حديث آخر، لنميط اللثام عن هذا الارتباط بين المشروع الإيراني والحضارة الفارسية، قبل أن يعود إيوان كسرى.

وللحديث بقية….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

عندما تكون السلعة أسمى من الإنسان

«من قال إن المال لا يشتري السعادة لم يذهب إلى بلومنجديلز» تعليق طريف لأحد قراء …

تعليق واحد

  1. محمد الأسعد

    زادگ الله علماً وبصيرة..أستاذتنا،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *